الشيخ محمد جواد البلاغي
17
الهدى إلى دين المصطفى
فقد قال امرؤ القيس : اليوم خمر * وغدا أمر . وقال النابغة الجعدي : كأن عذيرهم ( 1 ) بجنوب سلى * نعام قاف في بلد قفار وقال الحطيئة : وشر المنايا ميت وسط أهله * كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره وقالت الخنساء : ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وقال متمم ابن نويرة : لعمري وما دهري بتأبين هالك ( 2 ) * ولا جزع مما أصاب فأوجعا وأن من أعطى حظا من فهم محاورات العرب ليجد أن إظهار ما يقدره النحويون في مثل هذه المواضع مما يهدم على الشاعر غرضه ويمحو نكتته ، فمن هذا النحو ما يخرج الكلام به من صورة الفرض الذي لا يهم في الغرض إلى صورة الوقوع المقصود ، فيخرج الكلام بحسن بيانه من نحو الدعوى إلى ناحية العيان ، ومن المصادرة إلى صورة البرهان ، وعلى ذلك جاء قول الحارث بن حلزة اليشكري : والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدا ألا ترى أنه لو أظهر ما يقدره أهل الصناعة وقال : خير من عيش من عاش كدا . لم يتحمل كلامه إلا بيان التفاضل بين العيشين ، وهذا من الواضحات التي لا يهمه بيانها ولا يتعلق بها غرضه ، وإنما غرضه بيان ابتلائه بالعيش الصعب المتعب على نحو يفضل فيه على عيشه عيش الحمق المقرون غالبا من تعس الوقت بالرفاهية والسعة .
--> ( 1 ) العذير : الصوت ، وسلى اسم موضع . ( 2 ) التأبين : مدح الميت .